في حقيقة الأمر، كنا منذ الأزل أجزاء في نظام واحد، بالرغم من أننا لم نكن
نعي ذلك حتى الآن. تكشف لنا الطبيعة ذلك من خلال طريقة العمل المقابلة لقوى
متضادة: قوة تجمعنا جميعا كواحد، وقوة تبعدنا الواحد عن الآخر وتلقي بكل
واحد منا في زاوية خاصة به. حينما تبدأ هذه القوى بالتجسد بشكل متطرف يزداد
من لحظة إلى أخرى، نكتشف قوة تعلقنا الواحد بالآخر، لكننا في الوقت الذي
تزداد قوة الأنا لدينا، هذا يجعلنا ننفر من ذلك. اذا لم تتوقف مشاعر عدم
التسامح، النكران والكراهية تجاه بعضنا البعض فإننا سندمر بعضنا بعضاً.
"إذا لم يطرأ تحول جذري في المسار الأناني الذي تخطو الإنسانية نحوه، فإنها
ستجد نفسها متورطة في حرب عالمية ثالثة بل ورابعة يتم فيها استخدام القنابل
الذرية والقنابل الهيدروجينية بحيث سينقرض معظم سكان العالم".
كما أن آينشتاين تحدث أيضا بروح مشابهة: "لا أعلم ماذا سيستخدمون في الحرب
العالمية الثالثة، لكنني أعلم ماذا سيستخدمون في الحرب العالمية الرابعة –
الحجارة!" للأسف الشديد، فإن كلامهم يبدو اليوم حقيقيا أكثر من أي وقت مضى.
على مدار التاريخ كله آمنت البشرية أنه توجد أمامنا أوقات أفضل، وأننا
سنطور العلم، التكنولوجيا، الثقافة والتربية وهي بدورها ستجعل حياتنا أفضل
وأكثر سعادة. المكان الذي يجسد هذه الأمور بشكل جيد هو "سفينة الفضاء الكرة
الأرضية" الموجودة في مركز آبكوت، احد منتزهات الملاهي الموجودة في ديزني-
وورلد الذي بني في سنوات الثمانين من القرن العشرين. يتم اقتياد زوار
الموقع عبر محطات تصف أحداث تاريخية هامة تستعرض تطور البشرية.
تبدأ الجولة من أيام الرسم داخل المغارات، من هناك تستمر لتمر عبر جميع
محطات التطور الإنساني مثل بداية استعمال الخشب والورق وانتهاء باحتلال
الفضاء. الرحلة الجذابة التي تم تصميمها حسب التوجه الذي كان سائدا قبل بضع
عشرات من السنين بني كقصيدة مدح للإنسان الكبير الذي يخطو قدما من نجاح إبى
نجاح. يتم عرض التاريخ بأجمعه هناك على شكل تطور لا يتوقف نحو السعادة: ها
هي تصل غداً! ان لم يكن غداً – بعد غد، إن لم يكن لأطفالنا – لأحفادنا.
مرت سنوات عديدة، وقد انتهى كل شيء اليوم. لدى كل واحد منا يوجد ما قد يحلم
به الإنسان قبل مئة سنة. بإمكاننا أن نستمتع، نتجول، نرتاح، نستمتع
بالرياضة وما إلى ذلك، لكننا لا نؤمن أن المستقبل سيكون أفضل. تحولت الصورة
الوردية إلى ظلمة حالكة تقترب وعلامتها هي العنف، الإنتحار، الإرهاب،
الأزمة البيئية وحتى عدم الاستقرار الاجتماعي، الاقتصادي والسياسي.
نحن أمام نقطة تحول نبدأ فيها بالصحو وندرك أنه ما من مستقبل سعيد
بانتظارنا. على ما يبدو، أن حياة أطفالنا ستكون أسوأ من حياتنا. إن الشعور
بالتأزم في كافة المجالات، ابتداء من مستوى الفرد وانتهاء بالمستوى العام،
هي نتيجة للوعي أن كل ما طورناه وكل ما نعرفه لم يجلب لنا السعادة. من هنا
ينبع شعورنا بفقدان المعنى وبالفراغ وبالتالي فان الاكتئاب والمخدرات هي
آفات العصر الحاضر. إنها تعابير عن حالة العجز التي نعيشها نتيجة عدم فهمنا
لكيفية إشباع رغبتنا بالاستمتاع، الأنا الخاص بنا، الذي كبر ولم يعد يجد
إشباعا في أي شيء معروف.
إحدى الظواهر التي تجسد بصورة جيدة فقدان الأمل بالمستقبل هي توجه الكثير
من أبناء الشبيبة إلى الحياة والذي يختلف تماما عن التوجه الذي كان لدى
آبائهم في نفس السن. عالم واسع مطروح أمامهم، فرص النجاح للتحقيق الذاتي
غير ان الكثيرين من أبناء الشبيبة يفقدون اهتمامهم بتحقيق الطاقات الكامنة
بداخلهم. يبدو أنهم يدركون مسبقا أنه لن يكون لذلك جدوى. إلى جانب صورة
البالغين الذين من حولهم والذين اجتهدوا كثيرا غير أنهم ليسوا سعداء لا
تضيف إلى رغبتهم بالعمل. يصعب على الأهل فهم ذلك وهم غير قادرين على أن
يستوعبوا لماذا تكون الأمور بهذا الشكل: هم أنفسهم كانوا مختلفين في نفس
الجيل، لكن الأمر نابع من أن كل جيل يحمل في داخله التجربة وخيبات الأمل
التي تراكمت عبر الأجيال التي سبقته.
من هنا فصاعدا، فان أي حل معروف لن يساعدنا بأن نحسن من أوضاعنا. فقط إذا
عرفنا أسس الطبيعة التي يعيش كل كائن حي على أساسها والطبيعة بمجملها،
نستطيع أن نتعلم أين نخطئ وأن نفهم الطريقة المتكاملة لإشباع رغبتنا
بالاستمتاع، الأنا الذي سيجلب الإنسانية إلى حياة مليئة بالمعاني، الأمان
والهدوء.