إن الرغبة في البقاء تتخذ من مبدأين رئيسيين منهجا لها:

  1. المحافظة على شكل المادة الحالي، بمعنى الاستمرار في الوجود.
  2. إضافة أي شيء تشعر المادة بأنه مهم لوجودها وبقائها. إن الرغبة في إضافة شيء للمادة هي ما تفرق بين الدرجات المختلفة لهذه للمواد. فلنمعن النظر قليلا في هذه النقطة.

في مستوى "الجماد"، نجد أقل رغبة في البقاء.  السبب يكمن في أن طلبات "الجماد" ورغباته صغيرة، فهولا يحتاج أن يضيف أي شيء خارجي له لكي يضمن بقاءه.  أمنيته الوحيدة هي أن يحفظ شكله الحالي وتكوينه وخصائصه.  بالإضافة إلى هذا، فهويرفض أي جسم  غريب عنه.  جاءت تسميته جمادا وجامدا لأن أمنيته الوحيدة هي ألا يتغير.

في مستوى "النبات"، نجد رغبة أقوى في البقاء.  إن هذه الرغبة مختلفة أصلا وأساسا  عن رغبة الجماد من منطلق أن النبات يتغير بينما الجماد لا يتغير.  النبات لا يرضى بالمحافظة على وجوده فحسب، نفس الجماد. بل يمر أيضا بعمليات مختلفة.

لهذا، نجد بأن موقف النباتات من البيئة نشط. على سبيل المثال، نجد بأن النباتات تتحرك باتجاه الشمس و بأنها ترسل جذورها لمصادر الرطوبة. النباتات تعتمد بشكل كامل على البيئة لضمان وجودها (الشمس، المطر، درجة الحرارة، الرطوبة والجفاف.)  إن النباتات تحصل على حاجياتها الأساسية من البيئة لضمان قوتها ومعيشتها.  بعدها تقوم بإحلال هذه الحاجيات إلى عناصرها البسيطة ومن ثم تبني منها كل ما هي محتاجة إليه.  بعدها تقوم بالتخلص مما هوضار لها .. ثم تنمو.  ولهذا، وكما قلنا آنفا، فإن النبات يعتمد بشكل أكبر على البيئة من الجماد.  إن للنباتات دورة حياة خاصة فيها حيث أنها تحيا وتموت.  ومع ذلك، فإن النباتات المنتمية لنوع واحد تنموو تزهر وتتدلى طبقا لنفس القواعد والقوانين.  بعبارة أخرى، كل النباتات المنتمية إلى فصيلة ما، تعمل بنفس الشكل.  والعناصر الموجودة في كل فصيلة نباتية لا تتمتع بصفة متميزة خاصة بها دون غيرها.

 حسنا، كلما كانت إرادة البقاء في المادة أعظم، كلما كان الاعتماد على البيئة والإرتباط بها أعظم.  هذا الإرتباط يظهر بوضوح أكثر في درجة الحيوان، حيث إرادة  البقاء أعظم هنا مما هوموجود لدى النبات.  معظم الحيوانات تعيش في جماعات وقطعان وتتميز بالحركة الكثيرة. كما أنها تجول الأرض بشكل مستمر بحثا عن طعام وحالات معيشية أفضل.  إن الحيوانات تأكل غيرها من الحيوانات والنباتات وتعتبرهم غذاء ومصادر للحصول على الطاقة.

في درجة الحيوان، يظهر مستوى معين من تطور الشخصية. هذا التطور يعمل كمحفز لحواس وعواطف الفرد الحيواني، مما يضفي على كل حيوان شخصية وميزة فريدة.  كل حيوان يشعر ببيئته على مستواه الشخصي.  بناء عليه، يقوم بتقريب نفسه مما هومفيد له ويتحرك بعيدا عما هومؤذ له.

دورة الحياة في الحيوان تتميز بالتفرد، حيث كل كائن يعيش ويموت لوحده.  تختلف دورة الحياة هذه عن شبيهتها في النباتات حيث فصول السنة هي التي تملي على النباتات دورة حياتها.

أعظم درجة من درجات إرادة البقاء موجودة لدى الجنس البشري.  إن الإنسان هوالكائن الوحيد الذي يعتمد كلية وبشكل كامل على الآخرين.  إنه الكائن الوحيد الذي  يشعر بالماضي وبالحاضر وبالمستقبل.  البشر يؤثرون على البيئة تماما كما تؤثر البيئة عليهم.  بناء على هذا، فإننا كبشر نتغير بشكل دائم .. ليس فقط لأننا نشعر بالسعادة والحزن في حالاتنا التي نعيشها الآن، بل لأن لدينا أيضا إدراك للآخرين، مما يجعلنا نريد كل ما يملكه الغير.

أضف إلى هذا أننا دائما ما نريد أن نحصل على أكثر مما عند الآخرين، وألا يحصل الآخرون على شيء مطلقا. والسبب أننا نريد أن نحسن من أحوالنا بالنسبة لأحوال الآخرين. كما نريد أن نحسن من شعورنا بالرضا عن أنفسنا.  لهذا السبب فإن إرادة البقاء في الإنسان تسمى ب "الغرور والأنانية" .. "الرغبة في الإستمتاع" .. "إرادة الحصول على البهجة والمتعة" .. وبكل بساطة: "إرادة الحصول."

"إن إرادة الحصول هي جوهر الخليقة، من البدء وحتى النهاية.  ولهذا فإن كل عمليات الخلق الكثيرة و حوادثها المتعددة والطرق التي تدار بها (سواء ظهرت أم ستظهر) .. كلها تعتبر مقاييس وتغيرات في القيم العددية لإرادة الحصول."

البشر ليسوا مخلوقات متطورة قليلا فحسب.  إنهم مختلفون بشكل أساسي عن الحيوانات.  عند الولادة، يكون الإنسان كائن عاجز وضعيف.  ولكن كلما كبرنا، صرنا نرتفع ونسموفوق كل المخلوقات الأخرى.  بينما العجل الصغير حديث الولادة والثور البالغ (مثلا) لا يتميزان عن بعضهما البعض سوى بالحجم، وليس بالحكمة.  من جانب آخر، فإن الرضيع البشري يكون ضعيفا وعاجزا تماما. ولكنه تدريجيا، وعلى مر السنوات، يكبر ويتطور.

"إذا صار عمر العجل يوما واحدا فقط، فإنه يسمى ثور." هذا الشيء معناه  أن العجل ما إن يولد فإنه يعتبر ثور لأنه ليست هناك خصائص أساسية وجوهرية تضاف عليه وهوفي طور النمو. ولهذا فإن تطور الحيوان الصغير مختلف تماما عن تطور الطفل البشري وهوفي طور النمو.

البشر، على عكس بقية المخلوقات، يحتاجون سنوات طوال لكي يتطوروا.  عندما يولد طفل رضيع، فإنه بالكاد يريد  أي شيء.  ولكن إرادة البقاء عنده تصبح أكر قوة وتتطور بشكل هائل كلما كبر في السن.   وعندما تطفورغبة جديدة على السطح، فإن هذه الرغبة تخلق طلبات جديدة يشعر الإنسان أنه بحاجة ملحة وإجبارية لكي يلبيها.  ولكي تتم تلبية الطلبات الجديدة بشكل ناجح، فإن الدماغ يتطور بينما نحن نفكر في طرق لتلبية الرغبة الجديدة.  ومن هنا يتبين بأن تطور الملكات الفكرية والفهمية لدى البشر هونتيجة لقوة  إرادة الإستمتاع لدينا.

بإمكاننا أن نلاحظ كيفية عمل هذا المبدأ من خلال متابعتنا لطريقة تربيتنا لأطفالنا.  لكي نساعد أطفالنا على النمو، فإننا نقدم لهم ألعابا تتحدى قدراتهم.  رغبتم في الفوز في اللعبة تجعلهم يفكرون في طرق جديدة للكفاح، وهذه بدورها تسهل عملية تقدمهم. ومن وقت لآخر، نقوم نحن بتصعيب اللعبة عليهم لمساعدتهم على التطور واستمرار تقدمهم.  ولهذا، ما لم يشعر المرء بأن هناك نقصا في حياته، فإنه لن يتمكن أبدا من التطور.  فقط عندما نريد شيئا، نبدأ بتشغيل عقولنا والتفكر في كيفية حصولنا على رغباتنا.

التالية السابقة

Korean | Czech | Hungarian | Amharic | Norwegian | Finnish | Croatian

The website kabbalah.info is maintained by
the
"Bnei Baruch" group of kabbalists

Copyright ©1996. Bnei Baruch. All rights reserved.