هذا الجزء يتناول موضعا علي الرغم من أن فيه بعض التهميش بالنسبة لموضوعنا،
إلا أن مناقشته ستساعدنا بدرجة كبيرة في تحديد العديد من المواضيع التي
تناولناها في هذا الجزء من الكتاب.
وإذن، في هذه الأيام التي يصادف فيها الإنسان الخاص والمجتمع مصاعب جمة،
تنتشر ظاهرة "العودة إلي الطبيعة" وينضم إليها العديد من المؤيدين. هناك من
يرى في هذه الظاهرة الطريق إلي التغيير ويأملون بأن تقوم بتغيير حياتهم
للأفضل. والسؤال الذي يطرح نفسه هو، هل هناك علاقة بين العودة إلي الطبيعة
وبين التوازن مع الطبيعة؟ هل العودة إلي الطبيعة ستساعدنا من الحصول علي
التوازن مع الطبيعة؟ علي هذه الأسئلة وعلي أسئلة أخرى سيتركز هذا الجزء.
فكرة" العودة إلي الطبيعة" تتحدث عن الحياة بصورة أكثر طبيعية، تشابها
بالأجيال القديمة التي عاشت في تمازج وتدفق مع الطبيعة. الذين ينادون
بالعودة إلي الطبيعة من ضمن ما يطالبون به الهواء النقي والإنتاج الزراعي
العضوي والبعض منهم يتركون المدينة وينتقلون للعيش في الأرياف. هذه الظاهرة
لها مميزات عدة وجميعها يرتكز علي الفكرة بأن الإنسان كلما كان أكثر قربا
من الطبيعة فهو يكون أكثر توازنا ويتحسن شعوره بصورة أكبر.
إذا قمنا بالبحث في طريقة الحياة القديمة للقبائل المشتتة، سنجد بأن كلما
كان الإنسان أكثر قربا للطبيعة ولجذوره، فهو يشعر بسهولة بقوة الحب في
الطبيعة. وفي هذا الشأن أنوه بأن في المؤتمر التابع "لمجلس الحكمة العالمي"
والذي انعقد بأورسي في سويسرا في (يناير2000)
تحدثت مع جيين جودول، التي كرست حياتها لبحث قردة الشيمبانزا، وعاشت معهم
في الطبيعة لمدة سنوات طويلة. فقد حازت عن بحثها هذا الذي كشف عن معلومات
مهمة علي جوائز عديدة وعلي اعتراف عالمي. وعندما سألتها عن الاكتشاف الذي
ترك فيها انطباعا كبيرا، فأجابت بأنه وبعد سنوات طويلة من العيش في الطبيعة
شعرت بالقوة الداخلية للطبيعة، قوة الحب.
وقالت، "بعد فترة ما"، "بدأت بالشعور والاستماع إلي الطبيعة، وشعرت بالحب.
شعرت بأنه لا توجد قوة سيئة، ولكن فقط أفكار عن الحب". وكنتيجة لسنوات
طويلة من الحياة في الغابة ومن العلاقة بالقردة بدأت جودول بفهمهم، وبفهم
مشاعرهم. فقد اكتشفت إلي أي مدي تتفهم القردة الطبيعة وتعيش الحب المتواجد
فيها.
مع أن تجربة كتلك هي لطيفة وتثير المشاعر، لكننا لم نتكلم عن هذا النوع من
التوازن حتى الآن. الشعور الأسمى الذي تستطيع العودة إلي الطبيعة أن تكسبه
للإنسان ابن هذا – العصر هو شعور معين ووقتي التابع لقوة الحب المتواجدة في
الطبيعة، أقل مما يشعر به كل حيوان. إلا أن الطبيعة قامت ببرمجة مستويات
تطور للإنسان أعلي بنسبة كبيرة من ذلك.
ليس هباء أن تدفع بنا الطبيعة للخروج من الكهوف والغابات والعمل علي ازدهار
المجتمع الإنساني علي جميع أجهزته. في قلب المجتمع الإنساني بالذات، والذي
يتميز بالجفاء وعدم القدرة بتحمل الآخر، علينا أن نوجد التوازن بيننا وبين
بني البشر الآخرين واستخدام الأنا كرافعة لذلك. العودة إلي الطبيعة يمكن أن
تكون تجربة تثير الاهتمام في حد ذاتها، إلا أنها لاستطيع أن تساعدنا علي حل
أصل المشاكل التي نعاني منها اليوم – نقص التوازن علي المستوي الإنساني.
في العديد من الحالات تصاحب العودة إلي الطبيعة أيضا عناصر من الطرق
التقليدية مثل اليوجا، التاي – تشي، التأمل وما إلي ذلك. وهنا يمكن التفسير
بأن هذه الطرق، والتي توفر للإنسان الهدوء والكمال، لا تستطيع أن تقربنا
لتحقيق هدف الطبيعة، حيث إن هذه الأهداف ترتكز علي قمع الأنا والتقليل من
شأنها. كما تعمل علي تقليص الأنا التابعة للإنسان من مستوي أل"متكلم" إلي
مستويات أكثر انخفاضا والتي تعرف باسم مستويات الحي، النبات والجماد في
الإنسان، معني ذلك تعود بالإنسان إلي الوراء. لذلك فهذه الطرق معاكسة
للاتجاهات التي تقودنا إليها الطبيعة، وهي رفع الإنسان لمستوي أعلي من
المستوي الحالي، مستوي "أل متكلم المصحح".
الطبيعة لا تتيح لنا تقليص الأنا. وللبيان، ففي الحضارات أيضا التي نجحت
حتى أيامنا هذه في المحافظة علي مستوي منخفض للأنا، مثل الصين والهند، هناك
اليوم اختراق ملحوظ للأنا. حيث انضم هذان البلدان إلي اللهث وراء الثراء
والحكم واستطاعا من سد الفجوة بين الأجيال بسرعة – فائقة.
الأنا العملاقة والتي تكتسح العالم كله اليوم هي الأنا من مستوي أل متكلم ،
ولكي نتناقس معها فنحن في حاجة للكشف عن طريقة مختلفة تماما، طريقة ميولها
عكس الميول إلي تصغير الأنا. حكمة القبالاه هي الطريقة الوحيدة التي تستخدم
كل قوة الأنا من خلال تصحيح طريقة استخدامها. وهي تتكشف لنا اليوم لكي
تساعدنا في تحقيق هدف الطبيعة والتأهل إلي درجة وجود جديد.