|
تكشف الدراسات التي تجرى على الطبيعة ظاهرة الإيثارية. مصدر كلمة
"الإيثارية" هو من الكلمة اللاتينية "آلتر"، ومعناها "الغير".
طبع مصطلح "الإيثارية" في القرن التاسع عشر على يد الفيلسوف الفرنسي أوغست
كونت، الذي عرف الإيثارية على أنها عكس الأنانية. تعريفات أخرى شائعة
للإيثارية هي نزعة للعمل من أجل الغير، حب الغير، الإخلاص والكرم المفرط
تجاه الآخرين، الإهتمام غير الأناني بمصلحة الآخر.
في الواقع، الإيثارية وكذلك الأنانية هي مصطلحات لا تليق بأي مخلوق سوى
الإنسان لأن مصطلحات مثل الرغبة والإرادة الحرة هي مصطلحات تخص الجنس
البشري فقط. سائر المخلوقات لا توجد أمامها فرصة للإختيار ولممارسة نشاطات
مثل الأخذ والعطاء، الإمتصاص والإفراز وكذلك الوقوع فريسة أو التضحية
الذاتية فهي مغروسة تماما في جيناتها ومع ذلك، فإننا سنستعير هذه المصطلحات
لنتناولها بالنسبة اليها لكي نفهم بصورة أسهل قوانين الوجود التي تنظم
الحياة في الطبيعة ونستخلص منها الإستنتاجات بالنسبة لنا.
من النظرة الأولى، تبدو الطبيعة كحلبة أنانية يتنافس فيها الأفراد
ويتنازعون مع بعضهم البعض والبقاء للأقوى ومن هنا وجد الباحثون حاجة لتطوير
نظريات مختلفة تفسر ما هو الدافع المباشر أو غير المباشر للفرد للعمل بشكل
ايثاري. غير أن التأمل بشكل أكثر عمقا وبنظرة أكثر شمولية تبين أن جميع
المناحرات والمنافسات تعمل من أجل خلق الموازنة ولدعم الوجود بصيغة
متبادلة، للمزيد من الصحة ومن اجل تطور أشد نجاعة للطبيعة برمتها.
أمكن مشاهدة مثال على هذا التوازن في الطبيعة في بداية سنوات التسعينات،
حين قررت حكومة كوريا الشمالية التخلص من قطط الشوارع التي شكلت مكرهة. بعد
بضع أسابيع من انقراض القطط طرأ ارتفاع على عدد الفئران، الجرذان والأفاعي
مما دفع الحكومة لاستيراد القطط من الدول المجاورة. مثال واضح آخر يأتينا
من عالم الذئاب. نحن معتادون على التعامل مع الذئاب على أنها حيوانات مضرة
ومتوحشة لكن حين بدأت الذئاب بالإنقراض، اتضحت مساهتمها البارزة في موازنة
الوعول، الخنازير البرية والقوارض المختلفة. يتضح بأنها وعلى النقيض من
البشر الذين يفضلون صيد الحيوانات المعافاة والأوفر صحة فان الذئاب تصطاد
الحيوانات المريضة والضعيفة بشكل خاص. هكذا تسهم الحيوانات المفترسة
بالحفاظ على صحة الحيوانات الأخرى
|