استعداد آخر المتواجد في الإنسانية لعملية التصحيح هو الميل الطبيعي
لمساعدة الآخر والتي يتميز بها البعض من بني البشر. القدرة علي الشعور
بالآخر تكون عادة بالنسبة لنا بمثابة وسيط لاستخلاص سعادة أكبر بكثير من
علاقتنا معه، بطريقة مباشرة أو غير مباشرة. إلا أن الشعور بالآخر يعبر عنه
بعض الناس بطريقة مختلفة عن المعتاد؛ فهم يشعرون بآلام الآخر وكأنها
آلامهم. هذا الشعور يوقظ الآلام في الأنا التابعة لهم، ولذلك فهو يضطرهم
لمحاولة مساعدة الآخر.
أغلب بني البشر هم أنانيون "عاديون"، هذا يعني أنانيون ليس لديهم حساسية
للآلام الآخر، والأقلية منهم أنانيون "إثاريون" ، وذلك يعني الأنانيون
الذين يشعرون بآلام الآخر وكأنها آلامهم. وخلاصة القول فسنسمى النوع الأول
أنانيين والنوع الثاني إثاريين ، علي الرغم من أن الإثنين أنانيون.
الأنانيون لا يشعرون بالمعاناة بسبب الآم الآخر ولذلك فهم يستغلونه كي
يشعروا بالسعادة كما يحلو لهم. وبالمقابل، فالإثاريون يعانون من آلام الآخر
ولذلك فهم يحترسون حتى من قول كلمة واحدة تتسبب في إزائهم. تلك وهؤلاء
حصلوا علي هذه النوايا من الطبيعة إذا فليس المقصود بأناس "طيبون" أو "
أشرار"، ولكن بتنفيذ أوامر الطبيعة.
تؤثر تغييرات متتالية في أجنة معينة علي قدرة بني البشر ليحسنوا مع الآخرين
– هكذا اكتشف البروفسور ريتشارد أبشتين الذي ذكرناه أعلاه وطاقم باحثين
آخرين في مجال التصرفات الوراثية. فهم يعتقدون بأن هناك أجر لتصرفات إثارية
– الإنسان الذي يطيب مع الآخرين فهو يربح من ذلك حيث تتحرر مادة كيميائية
في دماغه والمعروفة باسم دوبمين وتتسبب في إحساسه بشعور طيب.1
نسبة الإثاريين في تعداد العالم هي علي الأكثر عشرة بالمائة، يفسر ذلك صاحب
السلم في كتابات" الجيل الأخير" التي تستعرض الدراسات الاجتماعية لحكمة
القبالاة وتحدد فيها صورة المجتمع المستقبلي المصحح.2 وهكذا،
ومنذ الأزل فنسبة الأنانيين في الإنسانية تقدر بحوالي تسعين بالمائة ونسبة الإثاريين حوالي عشرة بالمائة.
حرص الإثاريون علي سلامة المجتمع، وذلك لمساعدة متبادلة في مجالات عديدة
ومتنوعة، ولفعاليات تعود بالخير علي المتخلفين والمحتاجين وما إلي ذلك.
بصورة فعلية، الإثاريون يأخذون علي عاتقهم معالجة حالات وأوضاع لا يقوم
المجتمع بمعالجتها من منطلق عدم ملاحظتها أو عدم الشعور بآلام الآخر.تقوم منظمات إثارية باستثمار أموال طائلة وقوة متعاظمة في فعاليات عدة،
ولكن في معظم الحالات، المساعدة التي تقدم للمحتاجين لا تحدث تغييرا ذي
قيمة في وضعهم. مثال علي ذلك ما حدث في القارة الإفريقية. ففي الماضي
وقبل أن يتدخل الغرب في حياتهم، قام الأفارقة بإعالة أنفسهم. وبالمقابل فهم
اليوم، وعلي الرغم من حصولهم علي المأكل والشراب فهم يتضورون جوعا.
فالأموال الطائلة التي تجمع لهم لا تغير من وضعهم شيئا، فهم في حالة صراع
دائم وتتراجع أوضاعهم من عام لعام.
1 M.R.Bachner,I.Gritsenko, L. Nemanov, A.H. Zohar, C.Dina & R.P. Ebstein,''Dopaminergic Polymorphisms Associated with Self-Report Measures of Human Altruism: A Fresh Phenotype for the Dopamine D4 Receptor'', Molecular Psychiatry 10 (4), April 2005, pp.333-335.
2 صاحب السلم، " كتابات الجيل الأخير"،
جزء أ، من كتاب "الجيل الأخير" بقلم الحاخام ليتمان،
302-303
.