عن طريق هذه العملية يتحول "الغيرمعروف" من حول الإنسان لشيء كما لو كان "معروفا"، وتتكون داخل الإنسان صورة أل"واقع الخارجة عنه". بشكل عملي، ليست هذه هي صورة الواقع الخارجي، لكنها صورة داخلية فقط. هكذا توصف تلك الأشياء في كلمات صاحب السلم: " علي سبيل المثال، حاسة النظر عندنا،حيث نرى أمامنا عالما كبيرا ضخما، بكل ما فيه من خيرات ففي الحقيقة نحن لا نري كل ذلك إلا فقط في داخليتنا نفسها. بما معناه، في مؤخرة مخنا، يوجد هناك ما يشابه آلة التصوير التي تصور لنا كل ما نراه، ولا شيء خارجا عنا". وهو يشرح بأنه يتواجد داخل مخنا ما يشبه المرآة المشحوذة، والتي تعكس لنا كل ما يترآى هناك، لنراه خارج مخنا وأمام أعيننا".1
 صورة الواقع هي نتيجة لتكوين حواس الإنسان ومن المعلومات السابقة الموجودة في مخه. فإذا كان للإنسان حواس أخرى، لتكونت فيها صورة مختلفة كليا. من الجائز أن ما يترآى له الآن كضوء كان يترآى له كظلام أو كشيء مختلف علي الإطلاق لا يستطيع مجرد تصوره الآن.
فيما يتعلق بذلك يحبذ التنويه أنه سبق قبل سنوات عديدة أن اكتشف العلم بأنه يمكن إحداث إثارات كهربائية في مخ الإنسان، وبدمجها مع المعلومات المتواجدة في الذاكرة تتسبب في شعور الإنسان بأنه متواجد في مكان ووضع معين. وزيادة علي ذلك، ففي استطاعتنا اليوم تغيير عمل الحواس بطرق اصطناعية كالآلات الإلكترونية.
في مجال السمع توجد عدة أدوات مساعدة، بدأ بالمكبرات التي تساعد ثقيلي السمع وحتى إلي زرع أقطاب كهربائية في آذان أناس أصماء كليا. التطور الذي طرأ علي العين الاصطناعية أنطلق هو أيضا، فالأقطاب الكهربائية المزروعة في المخ تبدل المعلومات الصوتية (السمع) والتي تستقبل كمعلومات بصرية، هذا يعني تبديل النغمات إلي صور. تطور آخر الذي طرأ في مجال النظر هو زرع آلة تصوير مصغرة في العين، والتي تترجم أشعة الضوء التي تخترق حدقة العين إلي إشارات كهربائية. هذه الإشارات تنقل إلي المخ وتترجم إلي صورة.
بصورة عملية، فمن الواضح أنه سيأتي اليوم وسيكون في استطاعتنا الوصول إلي التحكم الكامل في هذه المواضيع، توسيع مدى حواسنا وتصنيع أعضاء اصطناعية، وحتى التوصل إلي تصنيع جسم كامل. ومع ذلك في حينه أيضا ستظل صورة العالم المستقبلة كصورة داخلية فقط.
من هنا يتضح بأن كل ما نشعر به، هو شعور داخلي فقط ولا صلة له بالواقع من حولنا.
نحن لا نستطيع حتى القول إذا قائم هناك واقع خارجا عنا أم لا. فصورة العالم أل"خارجي" متواجدة بداخلنا.
برنامج الطبيعة
التأمل في الطبيعة كشف لنا بأن الشرط لتكوين الحياة ووجودها هو أن كل وحدة في الجسم وكل جزء في الجهاز مكرس لمنفعة الجسم أو لمنفعة الجهاز الذي يتواجد فيه. حياتنا اليوم في المجتمع الإنساني ليست كذلك، ومن هنا السؤال الذي يطرح نفسه كيف يمكن أننا متواجدون؟ حيث إن وحدة أنانية في الجسم تؤدي إلي مرض السرطان وإلي دمار الجسم كله. نحن أجزاء أنانية داخل جهاز واحد، ومع ذلك نحن نحيا!
وبذلك، حياتنا الحالية لا تعرف بتاتا علي أنها "حياة".
بصورة فعلية، وجود الإنسان مختلف عن باقية المستويات في الطبيعة بذلك لأنه ينقسم إلي مستويين:
. المستوي الأول هو المستوي الذي نعيش فيه حاليا. كل واحد منا يشعر بأنه مختلف عن الآخرين، لذلك
فهو لا يكترث بهم ويحاول استغلالهم لمنفعته.
 . المستوي الثاني هو المستوي التابع للوجود المصحح. يعمل بنو الإنسان من خلاله كأجزاء في جهاز
واحد، ويتواجدون في حالة من الحب المتبادل، والعطاء، والتكامل والأبدية.
الوجود في المستوي الثاني هو الذي يطلق عليه اسم "الحياة". وجودنا الحالي هو مرحلة انتقالية، حيث إن كل ماهيته هو الارتقاء بأنفسنا إلي الوجود المصحح والأبدي، إلي "الحياة". ولذلك، من سبق وارتقي إلي المستوي الثاني، هم المقبولون، وهم يعرفون وجودنا الحالي باسم الحياة الوهمية أو الواقع الوهمي، ويعرفون الوجود المصحح باسم الحياة الحقيقية أو الواقع الحقيقي. وبنظرة إلي الوراء فقد وصفوا وجودهم بالمستوي الأول وفي كلمات"كنا كالحالمون"،2 معني ذلك كحلم.
منذ البداية، الواقع الحقيقي محتجب عنا، ذلك يعني أنه بشكل طبيعي نحن لا نستطيع أن نشعر به، لأن الإنسان يتفهم نفسه والعالم حسب الرغبة المتواجدة فيه، وحسب برامجه الداخلية. ولذلك نحن لا نشعر الآن بأن كل بني البشر مترابطون في شخص واحد، لأن صورة علاقات كتلك تنفرنا. الرغبة في التمتع الأناني المطبوع فينا منذ خلقنا ليس معنيا بعلاقات كتلك، ولذلك فهو لا يمكننا من استيعاب صورة الواقع الحقيقي.
تتواجد من حولنا حاليا أشياء لانهاية – لها والتي لا نستطيع إدراكها. العقل والمخ يخدمان الرغبة الأنانية المتواجدة فينا وملائمة لها فهما يقومان بتفعيل حواسنا. لذلك نحن لانستطيع الشعور بوجود شيء – ما و الذي هو بالنسبة للرغبة الأنانية لا يحسب علي أنه شيء جيد من المحبذ اكتسابه، أو شيء سيء من الأجدر الاحتياط منه. إذا استطعنا الشعور بشيء، فنحن نشعر به فقط بالنسبة لنا، وفقط إذا كان لمنفعتنا أو لضررنا. هكذا أحاسيسنا مبرمجة، وبهذه المعادلة الحسابية، وتمشيا معها يستقبل مفهوم الحقيقة التابع لنا.

1 صاحب السلم، مقدمة لسفر الزوهر، فقرة ل د.
2 تهليم ابتهالات ق ك و، أ.  

التالية السابقة

Korean | Czech | Hungarian | Amharic | Norwegian | Finnish | Croatian

The website kabbalah.info is maintained by
the
"Bnei Baruch" group of kabbalists

Copyright ©1996. Bnei Baruch. All rights reserved.