الآن، إذا نجحنا في وصف هذه الصورة بشكل صحيح لأنفسنا، فعلينا أن نقلبها كي
نحاول فهم كيفية استيعاب الحقيقة المتواجدة في الرغبة الإثارية. نصور
لأنفسنا بأننا بدأنا في أن نكون موجهين للشعور بما فيه خير للآخرين. في وضع
كهذا، سنشعر وسنتعرف علي أشياء من حولنا مختلفة تماما لم نتعرف عليها من
قبل، وكل ما رأيناه في السابق يظهر مختلفا كليا. المقبلون يصفون هذا الوضع
في عبارة" رأيت عالما مقلوبا".1
عندما تتكون في داخلنا رغبة جديدة – رغبة للتواجد كجزء معافى
في الإنسانية، فالرغبة للتشبه بالقوة الإثارية التابعة للطبيعة – سيكون
بداية لجهاز إضافي للشعور الذي ليس له علاقة بجهاز الشعور الحالي لدينا.
هذا الجهاز يعرف باسم" الروح". عن طريق الروح يستوعب الإنسان صورة جديدة
للعالم، صورة العالم الحقيقي. في هذه الصورة نحن مترابطون الواحد بالآخر،
كأجزاء جسد واحد، وممتلؤن بنشوة لا نهاية – لها.
لذلك نحن نحدد الآن تعريف الهدف من الحياة الذي صغناه كرابط بين بني البشر
ونكمله: الهدف من الحياة هو رفع مستوي الوجود الخيالي إلي مستوي الوجود
الحقيقي، وذلك من خلال وعي ومعرفة ذاتية. علينا أن نصل إلي وضع نري فيه
أنفسنا والواقع ليس كما نراهما في الوضع الحالي، لكن حسبما هما في الحقيقة،
في صورتهما الحقيقية. بمعني آخر، الوضع الذي نشعر به الآن هو وضع خيالي
بأدوات الشعور الأناني الخاص بنا. فإذا وظفنا قوتنا للتقدم في عملية
التصحيح ونبني بداخلنا رغبة كاملة للإثارية، ستتغير أدوات الشعور التابعة
لنا لإثارية، وعندها سنشعر باختلاف في وضعنا.
الوضع الحقيقي هو وضع أبدي: جميعنا مرتبطون بجهاز واحد وتدفق الهناء
والطاقة المتواجدة فيه هو تدفق مستمر. وفي هذا الوضع هناك عطاء متبادل
ولذلك فالهناء منه ليس له – نهاية، فهو متكامل. وعلي الرغم من ذلك، فوضعنا
الحالي هو وضع مؤقت ومحدود.
شعورنا بالحياة الحالي ينبع من نطفة حياة صغيرة تأتي من داخل الوضع الأبدي
إلي وضعنا الحالي. هذه النطفة هي جزء من القوة الإثارية الشاملة التابعة
للطبيعة، والتي تتغلغل في أعماق رغباتنا الأنانية وتحيها علي الرغم من عدم
التوافق معها. دور هذه النطفة هو العمل علي تواجدنا علي مستوي الوجود
الأول، المستوي الجسدي، إلي أن نبدأ بالشعور بالواقع الحقيقي، الواقع
الروحاني. ينتج عن ذلك أن حياتنا الحالية والمؤقتة تعتبر كهدية تعطي لنا
لوقت معين فقط، وذلك كي نستخدمها كوسيلة للوصول إلي الحياة الحقيقية. وهكذا
فشعورنا بالحياة لا يتلخص في تلك النطفة الصغيرة ولكن في كل القوة الكبيرة
نفسها التابعة للطبيعة، قوة الحب والعطاء، وهي التي ستكون قوة الحياة
التابعة لنا.
الواقع الروحاني لا يتواجد من فوقنا بالمعني اللفظي للكلمة ولكن بالمعني
النوعي، الارتقاء من الواقع الجسدي للواقع الروحاني هو ارتقاء برغبة
الإنسان نحو ميزة الإثارية، نحو ميزة الحب والعطاء التابع للطبيعة.
الشعور بالروحانية معناه الشعور كيف أننا مترابطون الواحد بالآخر كأجزاء في
جهاز واحد، والشعور بدرجة أعلي في الطبيعة. الهدف من الحياة هو الارتقاء
إلي الواقع الروحاني والشعور به بالإضافة إلي شعور الواقع الجسدي في عالمنا
هذا.
حسب برنامج الطبيعة، فقد خلقت الإنسانية بغرض مسبق علي أنها تشعر بالمستوي
الأول والوهمي فقط، وهكذا كان عليها التطور علي مدي آلاف السنين، في ذلك
الوقت اكتسبت الإنسانية تمييزا وخبرة في الحياة مما أدى بها اليوم للاعتراف
بأن الوجود الأناني الطبيعي ليس ممكنا ولا يؤدي إلي السعادة، وعليها
الانتقال إلي الوجود الإثاري المصحح – الوجود علي المستوي الثاني والحقيقي.
الأزمة العامة في تطور الأنانية يضعنا أمام نقطة الانتقال بين درجتي
الواقع. لذلك علينا أن ننظر إلي أيامنا تلك كفترة زمنية خاصة ونيرة. هذه هي
نقطة تحول في تطورنا، نقطة الانتقال إلي وجود كامل وأبدي حيث قامت الطبيعة
ببرمجته منذ البداية كقمة تطور الجنس البشرى.
وهنا يصح التفسير بأن الشعور بالمتعة الذي نتشوق إليه يختلف كليا عن الشعور
بالمتعة الذي يغمر من يكتسب ميزة الإثارية التابعة للطبيعة. المتعة التي
يتشوق إليها الإنسان اليوم هي متعة نابعة من إحساسه بأنه الواحد، والأوحد
وفوق الجميع. الرغبة الأنانية تستطيع أن تمتلئ فقط حيال أي نقص آخر، حيال
نقص عاني منه سابقا أو حيال الآخرين. متعة كهذه تتطلب تجديدا وبشكل سريع،
لأنه في لحظة إملاء المتعة للرغبة فهي تلغيها علي الفور، وكيفما رأينا في
جزء " حدود المتعة "، ولذلك يتوقف الشعور بالمتعة خلال فترة قصيرة. عندما
تتعاظم الأنا فهي تؤدي إلي وضع يستطيع فيه الإنسان الشعور بالاكتفاء فقط في
حالة دمار الآخر.
المتعة الإثارية هي علي العكس من ذلك. المتعة الإثارية ليست متواجدة فينا
حيال الآخرين، ولكن داخل الآخرين.
بمعني معين يمكن المثال علي ذلك بعلاقة الأم بابنها: الأم تحب أبنها لذلك
فهي تشعر بالفرحة عندما تراه مسرورا بعطائها له. متعتها تتعاظم كلما كان
أكثر سرورا بالذات الجهود التي تبذلها من أجله تشعرها بسعادة أكبر من
شعورها بأي شيء آخر. من المؤكد أن اكتفاءا كهذا مشروط بحبنا للآخرين وقوة
هذا الاكتفاء تتعلق بمدي حبهم. الحب هو بشكل فعلي في الاستعداد للاهتمام
لما فيه خير للآخرين، والعمل علي خدمتهم. الإنسان الذي يشعر بأننا جميعا
أجزاء في جهاز واحد يري بالذات في هذه الخدمات دوره، وجوده وأجره. بين
مميزات هذين النوعين من المتعة هناك اختلاف فائق.
1 تلمود بابلي، بسحيم ( اسم فصل خاص في التلمود) ن، ع"أ.