المقدمة

تلخيص للأفكار التي يحتوى عليها الكتاب
مبني علي خطاب الحاخام الدكتور ميخائيل ليتمان
أمام" لجنة الحكمة العالمية". أروسا سويسرا، 22 يناير 2006

ليس هذا سرا بأن الإنسانية تتواجد في خضم أزمة صعبة، وهناك العديد من يشعر بذلك فعلا. الشعور بعدم الانضباط ، الإحباط والخواء يملئ حياتنا. الأزمة في الوحدة العائلية وفي تعليم الأولاد، الإدمان علي المخدرات، الوضع الأمني المضطرب، الخوف من مواجهة حرب نووية، التهديد البيئي – هذه بعض من المشاكل التي تغيم علي سعادتنا. الواضح أننا أضعنا المقدرة علي السيطرة علي حياتنا وعلي ما يدور في العالم.

كما هو معروف، التشخيص السليم للوضع هو نصف الطريق للشفاء ولذلك لكي نجد حلا لمشاكلنا يجب علينا أن نتفهم أسبابها. الأساس الأكثر ضمانا والذي من المحبذ أن نبدأ منه هو معرفة طبيعة الإنسان وطبيعة العالم. إذا حكمنا عقلنا لفهم طبيعتنا والقوانين التي تسري علينا، سنعرف في ماذا نحن نخطئ وماذا يجب علينا أن نفعل حتى نخرج من الوضع الذي نتواجد فيه.

بحث الطبيعة من حولنا تكشف لنا بأن الجماد، النبات والحي يداروا من قبل الطبيعة عن طريق حاستهم. أفعالهم لا تعتبر جيدة أو مشينة، لكنها ببساطة تتمازج الواحدة بالأخرى ومع الطبيعة، حسب القوانين التي طبعت فيهم. وفي مقبل ذلك، إذا أمعنا النظر في طبيعة الإنسان، سنري أنه مختلف كليا عن باقية الطبيعة الإنسان هو المخلوق الوحيد الذي يستطيع الحصول علي السعادة من استغلال الآخر، والتعالي عليه والتحكم فيه. الإنسان هو فقط يحصل علي السعادة لكونه مختلف عن الآخرين، ولكونه فوق الجميع. هذه هي الأنانية الإنسانية، وهو الذي يخل بالتوازن في الطبيعة.

بشكل فعلي، الرغبة في السعادة المتواجدة فينا تطورت بالتدريج علي مدار التاريخ. في البداية ظهر ذلك في رغبات وجودية بسيطة –للغذاء، للجنس وللعائلة. بعد ذلك تطورت رغبات أكثر تقدما: للثراء، للاحترام، للتحكم وللعلم. هذه العملية أدت إلي تطور المجتمع الإنساني، لنشوء هياكل اجتماعية جديدة ولتطور أجهزة التعليم، الثقافة، العلوم، التكنولوجيا وما إلي ذلك. وهكذا من خلال الاعتقاد بأن التقدم والرفاه الاقتصادي يوفرا لنا الاكتفاء ويحولانا إلي أناس أكثر سعادة، ونخطو إلي الأمام بحيوية. إلا أنه حاليا نحن نبدأ بالشعور بأن التطور علي طول – السنوات يصل إلي طريق مسدود. هذا الشيء ينبع من أنه ليس في المستطاع إشباع رغبتنا في السعادة لمدة طويلة. هذا الاستنتاج توصل إليه كل واحد منا ليس لمرة واحدة في حياته، عندما تمني أشياء معينة، في بعض الأحيان علي مدي سنوات، ولكن عندما حصل علي مبتغاه، تبخرت السعادة خلال فترة قصيرة. وعاد مرة أخرى الخواء، ويجد نفسه مرة أخرى يطارد أهدافا جديدة علي أمل أن يجد فيها الاكتفاء، وهكذا دواليك. هذه العملية تحدث أيضا علي المستوي الخاص للإنسان علي حدي وأيضا علي مستوي الإنسانية كمجتمع. اليوم، وبعد أن تراكمت الخبرة منذ آلاف السنين التي وضعتنا أمام حقيقة واقعة وهي بأننا لا نعرف كيف نصل إلي السعادة المستديمة وأيضا لا نعرف كيف نصل لأمن وجودي أساسي، نحن محرجون ومحبطون. هذه الظاهرة تقف في مركز الأزمة التي نتواجد فيها وهي السبب في المشاكل التي نعاني منها.

وأكثر من ذلك، فعلي مر الأجيال أخذ في التعاظم الميل الطبيعي لأنانية الإنسان الحصول علي سعادة شخصية علي حساب الآخر. اليوم يحاول الأشخاص بناء نجاحهم علي دمار الآخر وبقوة لم نعهدها من قبل. عدم الصبر، التنصل والكراهية بين بني البشر ضربت رقما قياسيا مخيفا، وذلك يضع مواصلة الجنس البشري في حالة من الشك.

التأمل في الطبيعة يفيدنا بأن جميع الأجسام الحية مبنية علي أساس مخالف في ماهيته عن الأنانية الإنسانية – مبدأ الإثارية والاهتمام بمصلحة الآخر. أجزاء في جسم حي ترتبط الواحدة بالأخرى عن طريق عطاء متبادل من أجل إحياء الجسد كله. كل جزء في الجسد يأخذ ما يحتاج لوجوده، وبجميع ما تبقي من قوته يهتم بالجسد ككل. علي جميع المستويات في الطبيعة يعمل الفرد لمنفعة الجميع والذي هو جزء منهم. وفي ذلك يجد كماله. وبدون أفعال إثارية فليس من الممكن أن تتواجد الحياة.

اليوم وبعد بحوث عديدة في مجالات مختلفة، يصل العلم إلي الاستنتاج بأن الإنسانية أيضا هي بشكل فعلي جسم حي واحد وكامل. المشكلة هي بأننا لسنا علي دراية بذلك بعد. علينا أن نتيقظ ونفهم بأن المصائب التي تعكر صفو حياتنا اليوم ليست وليدة الصدفة، ولذلك فليس من الممكن أن تحل هذه المصائب بعد ولا بأي طريقة عرفناها في الماضي. وهي لن تختفي بل ستزداد سوءا، إلا إذا بدأ المجتمع الإنساني أيضا بالعمل حسب قانون الوجود الشامل للطبيعة، قانون الإثارية.

جميع الظواهر السلبية في حياتنا، علي المستوي الفردي أو علي المستوي الأكثر شمولا، هي نتيجة عدم تنفيذ قوانين الطبيعة. من الواضح جدا بالنسبة لنا بأنه من السذاجة القفز من علي مبني عالي والتمني بأن قوة الجاذبية للكرة الأرضية لن تطبق علينا. ومن الأقل وضوحا، أن حياتنا أيضا كمجتمع إنساني، وجهاز العلاقات بيننا، تدار من قبل قوانين الطبيعة البحتة. اليوم يجب علينا أن نتوقف، والتحقيق مع أنفسنا، ونتفهم أين نحن نعمل علي عكس قوانين الطبيعة، وأن نجد طريقة الحياة الصحيحة. كل شيء يتعلق فقط بمعرفتنا: كلما نزيد من حكمتنا لتفهم جهاز الطبيعة، سنتلقى ضربات أقل ونتطور بصورة أسرع.

علي درجة الجسم الحي فالإثارية مطبوعة كقانون الوجود، ولكن في درجة الإنسانية علينا بناء علاقات إثارية بأنفسنا. تركت الطبيعة ذلك لنا لكي نستطيع الاعتلاء بأنفسنا إلي درجة وجود جديدة رفيعة وهذه هي ماهية الفرق بين الإنسان وباقية المخلوقات الأخرى.

في سياق الكتاب سنتطرق كثيرا إلي الطريقة لتنفيذ ذلك، لأن تغيير طبيعة الإنسان ليست عملية سهلة. صغنا كمخلوقات أنانية؛ ليس في مقدورنا العمل مباشرة ضد الأنا، لأن ذلك هي طبيعتنا. وهنا تكمن الحكمة كلها: يجب البحث عن أسلوب يسبب لكل واحد منا أن نرغب، من منطلق الأنا التابعة لنا، في تغيير تعاملنا مع الآخر. الارتباط بالآخر كأجزاء في جسم واحد.

ليس عن طريق الصدفة صاغتنا الطبيعة كمخلوقات اجتماعية. إذا تحققنا بعمق في تصرفاتنا، سنكتشف بأن أفعالنا تأتي كهدف للفوز بتقدير من حولنا. تقدير المجتمع يبث فينا الحياة، وعدم التقدير والذم يسبب لنا معاناة كبيرة للغاية. الخجل أمام المجتمع هو من أفظع الأشياء التي يستطيع الإنسان أن يشعر به. لذلك نميل للخضوع للتقاليد التي يضعها أمامنا المجتمع والعيش حسب هذه التقاليد. لذلك، إذا استطعنا أن ننجح في حدوث تغيير علي سلم تقاليد المنطقة التي نتواجد فيها، هكذا فإن التقاليد الإثارية مثل الارتباط بالآخر والاهتمام المتبادل يقفا علي رأس السلم، ويغير كل واحد منا معاملته للآخر.

عندما يقدر المجتمع الإنسان حسب تفانيه له فقط، سنتطلع جميعنا بالتأكيد للتفكير في مصلحة المجتمع والعمل لمنفعته. مثلا، إذا ألغيت الجوائز ورموز الاحترام التي تعطي اليوم عن تفوق ما للفرد. والأشخاص يقدرون فقط بفضل اهتمامهم بمصلحة المجتمع، إذا قام الأطفال بتقدير والديهم بهذا الشكل؛ وإذا قام الأصدقاء، والأقارب والزملاء في العمل بانتقادنا حسب مقياس التعامل الجيد مع الآخر فقط، فسنصبو جميعا إلي التصرف بهذا الشكل كي نحظى بتقدير من حولنا. وبالتدريج سنبدأ بالشعور بأن تعامل إثاري مع الآخر هو شيء خاص وفيه سمو في حد ذاته، وحتى دون أي علاقة بالتقدير الاجتماعي نتيجة هذا التعامل، وسنكتشف بأنه مصدر سعادة كامل وليس له حدود.

علي الرغم من أن المجتمع الإنساني اليوم هو مجتمع أناني، إلا أن هناك استعدادات كبيرة لا نظير لها للتقدم نحو وجود قانون الإثارية في الطبيعة. يتركز تعليمنا وتتركز ثقافتنا دائما وأبدا علي مبادئ إثارية. نحن نقوم بتربية أولادنا في المؤسسات التعليمية وفي العائلة علي بذل العطاء، التنازل، والكرم وإقامة علاقات صداقة. ليس هناك من يقول بأنه ضد هذه التقاليد. هذا وأيضا: بسبب الانقلاب الإعلامي من الممكن اليوم توجيه رسائل وتقاليد جديدة للناس بسرعة فائقة، في جميع أنحاء العالم. وهذا هو السبب الحاسم لارتفاع معرفة الإنسان بالأزمة الآخذة في التعقيد والحاجة لحل شامل.

علي الرغم من أن حل المشاكل اليومية الحالية هو الذي يدفعنا لتغيير الوضع القائم، إلا أننا سنكتشف في المستقبل بأن الموضوع لم ينتهي إلي هذا الحد. الإنسان الذي يبني بداخله جهاز تعامل صحيح بالنسبة للآخر يدخل بصورة تدريجية إلي طبقة مختلفة عما عرفناه حتى الآن، وجود سام لم نعهده من قبل – الشعور بكمال الطبيعة.

في نهاية عهود كثيرة من التطور المتراكم، استوعبنا خبرات عديدة التي تمكننا من فهم إلي أين يدفع بنا قانون تطور الطبيعة. الرقعة التي سنمدها بالتدريج أمام القارئ

علي مدى الكتاب مبنية علي مبادئ أساسية لحكمة القبالاة القديمة إلي جانب الاكتشافات الأخيرة للعلوم الحديثة. وبمساعدتها سنستطيع المضي خطوة أولى مهمة وذات

مغزى باتجاه تحقيق قوانين الطبيعة، والتقرب من الشعور بأننا جميعا أجزاء من جهاز طبيعة واحد وشامل ونتذوق التناسق والكمال المتواجد فيه.
 

 

Korean | Czech | Hungarian | Amharic | Norwegian | Finnish | Croatian

The website kabbalah.info is maintained by
the
"Bnei Baruch" group of kabbalists

Copyright ©1996. Bnei Baruch. All rights reserved.